جعفر آل ياسين

26

الفارابي في حدوده ورسومه

عددي - استطعنا أن نستخرج من هذا التعريف سلسلة من النتائج التي يلزم بعضها عن بعض ، والتي تصنع لنا أسس العلم الموسيقي . فالنتيجة الأولى لهذا التعريف هي أنّه ما دام الايقاع هو تأليف عددي فإنّه لا بدّ أن يكون تأليفا من حركة وسكون في مجال النطق والسمع ، ومن تأليف المتحرك والساكن تنتج نتيجة هي : إنّ أوزان الألفاظ تكون كذا وكذا ، أمّا في مجال الموسيقى ؛ فمن تعريفنا للايقاع بأنّه تأليف عددي ينتج أنّ هذا التأليف إمّا أن يكون فردا فردا في العدد أو زوجا ، والزوج والفرد يأتلفان معا على أربع صور : زوج زوج ، أو فرد فرد ، أو زوج فرد ، أو فرد زوج ، والعدد الفرد يكون مثل الواحد وأخواته ، والزوج مثل الاثنين وأخواتها . ويتولد عن ذلك أربع طرائق في الموسيقي ؛ وهي التي يسمونها بالأسماء الآتية : ثقيل الأول ، وثاني الثقيل ، والرمل ، والهزج . ثم أنّهم ولّدوا كلّ واحد من هذه خفيفا ؛ فصارت ثمانية وهي : خفيف ثقيل الأوّل ، وخفيف ثقيل الثاني ، وخفيف الرمل ، وخفيف الهزج . ثم جعل لكلّ واحد من هذه نسبة في الأصابع ، فكان خلف هذه في الأصابع كخلف تلك في الحلق واللسان والشفتين ، إذ أنّه قد يحدث من هذه الطرائق بالأصابع ساكن ومتحرك ، كما حدث لنا في الحروف ساكن ومتحرك . وبهذا تصبح لكلّ طريقة من طرائق الموسيقى الأربع ؛ أربع صور . وربّما فرّقوا بينها بنقرة يسيرة فصارت ثمانية ، أيّ أنّ مجموع الصور كلّها يكون عندئذ ثمانية في أربعة ، أعني أنّه يكون اثنتين وثلاثين طريقة . . وهكذا ينتج هذا كلّه من تعريفنا للإيقاع بأنّه تأليف عددي » . تلك هي الطريقة السالكة لدى ابن حيان - وممّا هو جدير بالملاحظة والاهتمام في هذا المجال المنهجي لجابر هو تأكيده على كون « الخاصّية » في الأشياء ( أي الأمر الذاتي في طبيعة الشيء ) هي تابعة لعملها « لأنّ الخواص لا تتفق في جوهرين مختلفين بوزن واحد ، ولكنها إذا اتفقت في جوهرين أو جواهر عدّة كان حدّها مثل الجوهر الأوّل سواء في الكيفيّة وجميع الحدود » . فكأنّ جابر بن حيان يؤكّد هنا الحالتين التاليتين :